بقلم: دانيل غيورغيف
إذا تم تغطية 1.2% فقط من مساحة الصحراء الكبرى بالألواح الشمسية، سيتم إنتاج 600 غيغاوات من الطاقة. وفقًا لدراسة، هذا سيغطي 50% من احتياجات الطاقة العالمية، ومشروع تجريبي يُختبر حاليًا في المغرب.
إن الفكرة أن منطقة جافة وخالية من الحياة على ما تبدو قد تتحول إلى مصدر رئيسي للطاقة للبشرية تبدو وكأنها يوتوبيا علمية. ولكن في ظل أزمة المناخ والانتقال العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز صحراء الصحراء الكبرى – أكبر وأحر صحراء في العالم – كحل واقعي ومبهر وممكن لتلبية احتياجات الطاقة على كوكب الأرض.
وفقًا لدراسة أجراها علماء من الجامعة التقنية في لابينرانتا، فنلندا، إذا تم تغطية 1.2% فقط من مساحة الصحراء بالألواح الشمسية، سيتم إنتاج حوالي 600 غيغاوات من الكهرباء. وهذا يعادل حوالي 50% من استهلاك الكهرباء العالمي – أو بمعنى آخر، يمكن لنصف سكان العالم الاعتماد على الشمس التي تشرق يوميًا على كثبان أفريقيا الرملية.
وتظهر أرقام مدهشة ولكنها حقيقية أن مساحة الصحراء الكبرى تبلغ حوالي 9.2 مليون كيلومتر مربع. و1.2% من ذلك تعادل تقريبًا 110,000 كيلومتر مربع – وهي مساحة تقارب مساحة بلغاريا أو أيسلندا. وعلى الرغم من أن هذه النسبة تبدو صغيرة، في مكان تشرق فيه الشمس لأكثر من 3000 ساعة سنويًا، فإن الإمكانات هائلة. الصحراء الكبرى تستقبل في ساعة واحدة من الطاقة الشمسية أكثر مما يستهلكه البشر في سنة كاملة.
ويقول العلماء إن تغطية جزء صغير فقط من الصحراء بالألواح الشمسية لن يضمن استقلالية الطاقة لأفريقيا فحسب، بل سيسمح أيضًا بتصدير الكهرباء إلى أوروبا وآسيا وحتى مناطق أبعد – من خلال شبكات طاقة حديثة.
على مدى العقدين الماضيين، ترسخ المغرب كقائد إقليمي في مكافحة تغير المناخ وتطوير مصادر الطاقة المستدامة. الدولة التي تمتلك موارد محدودة من الوقود الأحفوري، ولكنها تتمتع بظروف مناخية مواتية جدًا، وجهت أنظارها نحو الشمس كمفتاح للاستقلال الطاقي والنمو الاقتصادي ومستقبل بيئي مستدام.
تُظهر المزايا المناخية والجغرافية في المغرب أن البلاد تتمتع بمتوسط أكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، خصوصًا في المناطق الجنوبية والداخلية التي تشمل أجزاءً من الصحراء الكبرى. وهذا يجعل أرض المغرب مكانًا مثاليًا لبناء محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتركيبات الطاقة الشمسية المركزة. كما أن الموقع الجغرافي بين أوروبا وأفريقيا يخلق أيضًا إمكانات لتصدير الطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
في عام 2009، أطلقت الحكومة المغربية الخطة الوطنية لتطوير الطاقة المتجددة، التي تهدف إلى تحقيق حصة 52% من مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء بحلول عام 2030. وتدعم هذه السياسة مؤسسات رئيسية مثل:
- الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN)
- المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)
وقعت المغرب العديد من الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقية باريس للمناخ، واستضافت مؤتمر الأطراف الـ22 (COP22) عام 2016 في مدينة مراكش، وهو إشارة واضحة على التزام البلاد بالسياسة المناخية العالمية.
كما تؤكد ضياء الودغيري من وكالة MASEN: “توفر لنا الطاقة الشمسية سعرًا ثابتًا لمدة 25 سنة، لذلك لسنا معتمدين على القضايا الجيوسياسية… وبعد 25 سنة قد نحصل على كهرباء مجانية.”
يُعد مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية أبرز مشروع للطاقة الشمسية في أفريقيا والشرق الأوسط. يقع المجمع على مساحة تزيد عن 3000 هكتار، ويتضمن عدة مراحل وتقنيات:
- نور I (160 ميغاواط، تم تشغيله في 2016) – محطة طاقة شمسية مركزة مع أنابيب باربولية وتخزين حراري.
- نور II (200 ميغاواط) – تقنية طاقة شمسية مركزة مع فترة تخزين أطول.
- نور III (150 ميغاواط) – برج شمسي مع إمكانية التخزين حتى 7 ساعات.
- نور IV – تقنية الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV).
تتجاوز السعة الإجمالية للمجمع 580 ميغاواط، ويوفر الكهرباء لأكثر من مليون شخص.
إن الشيء الفريد في المشروع هو أنه بالإضافة إلى الألواح الكهروضوئية، يتم استخدام تقنية تخزين الطاقة الحرارية، مما يسمح بإنتاج الكهرباء حتى خلال الليل. يُعد مجمع نور ورزازات دليلًا على أن حلم “صحراء شمسية” أصبح واقعًا.
ويعد المغرب مثالا على كيفية مساهمة الإرادة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والشراكة الدولية في تحويل نظام الطاقة الوطني. فالشمس، التي كانت يومًا مجرد رمز للصحراء، أصبحت اليوم مصدرًا للأمل، والتنمية، والمستقبل المستدام لجيل كامل.
يمكن تلخيص التحديات التي تواجه البلاد في عبارة واحدة: من الرمال إلى الجيوسياسة. فبلا شك، التطبيق الواسع لهذه الفكرة وتوسيعها على مساحة أكبر من الصحراء ليس أمرًا بلا عقبات. فالصحراء الكبرى بيئة قاسية – بدرجات حرارة متطرفة، وعواصف رملية، ونقص المياه، وضعف البنية التحتية. علاوة على ذلك، فإن عدم الاستقرار السياسي في بعض المناطق يجعل الاستثمارات وأعمال الصيانة أمرا صعبا.
نقل الطاقة لمسافات تمتد لآلاف الكيلومترات – مثلًا من الصحراء إلى شمال أوروبا – يتطلب شبكات عالية الجهد باهظة التكلفة وأنظمة ذكية. والتكنولوجيا موجودة، لكن التكلفة والتعاون الدولي المطلوب يجعلان المشروع ليس مجرد تحدٍّ تقني، فحسب، بل يشكل تحديًا جيوسياسيًا أيضًا.
خطوة عملاقة نحو مستقبل أخضر – هكذا يمكن وصف تحقيق الرؤية الطموحة للحكومة المغربية في مجال الطاقة الخضراء.
وعلى الرغم من الصعوبات، فإن الفوائد عظيمة بحيث لا يمكن تجاهلها.وتمهد مشاريع الطاقة الشمسية في الصحراء الكبرى الطريق نحو إزالة الكربون من العالم، من خلال مصدر طاقة نظيف وموثوق وعمليًا غير قابل للنفاد. كما أنها ستوفر آلاف فرص العمل وستحفز اقتصادات إفريقيا.
قد تتحول الصحراء الكبرى إلى رمز للتحول البيئي العالمي – من صحراء قاحلة إلى مولّد للحياة، والتكنولوجيا، والاستدامة. ففي أكثر الأماكن جفافًا على وجه الأرض قد يكمن المفتاح لمستقبل أكثر خضرة.
أصدقاء العالم العربي 2025. دانيل غيورغيف
تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ“أصدقاء العالم العربي“، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من الجمعية، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى الجمعية بوصفه الناشر الأصلي


اترك تعليقاً