بقلم: دانيل غيورغيف
تهدف هذه المقالة إلى تقديم الجوانب الأساسية للعلاقات الدبلوماسية (التي أُنشئت رسميًا في 15 ديسمبر 1964) بين جمهورية بلغاريا والمملكة الهاشمية الأردنية. ويركز المقال على مختلف مجالات تطور هذه العلاقات عبر الزمن أي من العلاقات السياسية والشراكة الاقتصادية والتبادل الثقافي والتعليمي، بالإضافة إلى المساهمة الاستراتيجية للملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين.
تمثل العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية بلغاريا والمملكة الهاشمية الأردنية مثالًا على شراكة مستدامة مبنية على الاحترام المتبادل والثقة والمصالح المشتركة. تطور الطرفان التعاون بشكل مستمر في عدة مجالات. على الرغم من المسافة الجغرافية، تحافظ الدولتان على حوار سياسي مستقر وبنّاء قائم على الاحترام المتبادل، وغياب النزاعات الثنائية، والمصالح المشتركة في السياق الدولي. ويتعزز هذا الحوار في ظل التحديات العالمية والحاجة إلى الاستقرار والتنمية في مناطق البلقان والشرق الأوسط.
تتطور العلاقات السياسية بين بلغاريا والأردن على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف – ضمن إطار الأمم المتحدة، واليونسكو، ومنظمات دولية أخرى. وتُظهر دولتنا والملكية العربية التزامًا بقضايا مثل التعايش السلمي، وحماية التراث الثقافي، ومكافحة التطرف.
دور الملك عبد الله الثاني
يلعب الملك عبد الله الثاني دورًا خاصًا في تعزيز الروابط الثنائية بين بلغاريا والأردن. يؤكد الملك في خطاباته الرسمية وتصريحاته العامة، كثيرًا على أهمية الشراكات مع الدول الأوروبية، من بينها بلدنا، باعتبارها عاملًا رئيسيًا للأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية. يؤكد عبد الله الثاني كقائد طويل الأمد للمملكة الهاشمية باستمرار على أهمية الاستقرار، والحوار، والتعاون في منطقة معقدة. وفي الوقت نفسه، يعرب عن دعمه للمبادرات التي تشجع التبادل في مجالات التعليم والتكنولوجيا، معتبرًا إياها طريقًا لازدهار مستدام. على سبيل المثال، في كلمته خلال المنتدى العالمي للتعليم في لندن، قال الملك: «التعليم ليس مجرد فرصة شخصية فحسب بل هو واجب وطني وعالمي. في عالم ممزق بالصراعات، المدرسة هي أقوى سلاح لنا ضد الجهل والكراهية.
أسس الملك عبد الله الثاني مؤسسة صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية لغرض تحقيق بعض الأهداف المذكورة أعلاه. تدعم هذه المؤسسة مشاريع تعليمية وابتكارية دولية، وتشمل بعض هذه المبادرات شراكات مع دول البلقان، من بينها بلغاريا. تهدف هذه الأنشطة إلى تعزيز الروابط طويلة الأمد بين الأجيال الشابة من كلا البلدين.
مع مرور الوقت، أصبح الملك عبد الله الثاني رمزًا للدبلوماسية الأردنية المعاصرة التي تسعى إلى بناء شراكات خارج الأطر التقليدية، حيث تلعب بلغاريا دور الجسر الاستراتيجي بين أوروبا والشرق الأوسط.
الحوار السياسي
خلال العقد الأخير، لوحظ تعزيز الحوار بين البلدين، ويتجلى ذلك في تنظيم لقاءات على مستوى رفيع من الدولة. ومن بين هذه اللقاءات البارزة:
- زيارة رئيس جمهورية بلغاريا رومين راديف إلى عمان في ديسمبر 2018، بدعوة من الملك عبد الله الثاني. عبّر رئيسا الدولتين خلال المحادثات، عن الرغبة في “الانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية”، مع التركيز على التعاون في مجالات الأمن، والتكنولوجيا، والتعليم. حيث صرح الرئيس رومين راديف في اللقاء قائلاً: “الأردن هو واحة للاستقرار في واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم وحليف ثمين في جهود مكافحة التطرف وتعزيز الحوار بين الحضارات.”
- اللقاء الذي تم خلال الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2023) بين وزيرة الخارجية البلغارية آنذاك ماريا غابرييل ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي. تم التركيز على ضرورة تنشيط العلاقات الاقتصادية والمبادرات المشتركة في مجال الأمن والحوار بين الثقافات. وأكد الوزير الصفدي قائلاً: “الأردن ينظر إلى بلغاريا كجسر نحو الاتحاد الأوروبي ويُقدّر الدعم والتعاون الطويل الأمد.”
- الزيارة الرسمية للملك عبد الله الثاني إلى بلغاريا في أبريل 2025، والتي اعتُبرت إشارة مهمة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية. خلال اللقاء، صرح الرئيس البلغاري رومين راديف قائلاً: “الأردن ليس فقط صديقًا لنا فحسب بل شريكًا في بناء الجسور بين أوروبا والشرق الأوسط.”
يلعب الملك عبد الله الثاني دورًا نشطًا واستراتيجيًا في تطوير العلاقات الثنائية بين بلغاريا والأردن. وبصفته قائدًا طويل الأمد للمملكة الهاشمية، يؤكد دائمًا على أهمية الاستقرار، والحوار، والتعاون في منطقة معقدة.
في خطاباته الرسمية وتصريحاته العلنية، يؤكد الملك عبد الله الثاني كثيرًا على أهمية الشراكات مع الدول الأوروبية، من بينها بلغاريا، باعتبارها عاملًا رئيسيًا للأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية. ويُعرب عن دعمه للمبادرات التي تشجع التبادل في مجالات التعليم والتكنولوجيا، معتبرًا إياها طريقًا نحو الازدهار المستدام.
وتتجلى مشاركته الشخصية من خلال الزيارات الرسمية المنتظمة إلى بلغاريا واستقبال المسؤولين البلغاريين في عمان، مما يسهم في بناء الثقة وخلق منصات جديدة للتعاون. في عام 2025، وخلال زيارته إلى صوفيا، أشار الملك عبد الله الثاني إلى أن: «بلدينا تربطهما علاقات تاريخية وثقافية عميقة ويجب علينا استغلالها لبناء مستقبل أقوى وأكثر استقرارًا، قائم على الاحترام المتبادل والتعاون.
الشراكة الاقتصادية
تظهر العلاقات الاقتصادية بين بلغاريا والأردن، رغم حجمها المتواضع نسبيًا (66,8 مليون دولار لعام 2024)، أساسًا متينًا وإمكانية للتوسع. وتشمل الصادرات البلغارية الرئيسية المنتجات الصيدلانية، والمعدات الكهربائية، والأغذية، والمنسوجات، بينما تستورد الأردن بشكل رئيسي المنتجات الكيميائية والفوسفات. لدى الدولتين اتفاقيات موقعة للتعاون الاقتصادي وحماية الاستثمارات والتجارة، مع وجود توجه خلال السنوات الأخيرة نحو تنشيط التبادل التجاري الثنائي وتعزيز المبادرات التجارية المشتركة.
وعلى الرغم من البُعد الجغرافي والاختلافات الهيكلية في الاقتصادين، تمثل السوق البلغارية اهتمامًا للشركات الأردنية كبوابة إلى الاتحاد الأوروبي، في حين ترى بلغاريا في الأردن بوابة إلى الشرق الأوسط والسوق العربية.
يُولى اهتمام خاص لفرص التعاون في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل تكنولوجيا المعلومات، والتقنيات الزراعية، والطاقة المتجددة. في عام 2022، أعلنت غرفة التجارة البلغارية الأردنية، ومقرها في صوفيا، عن مبادرة جديدة لربط الشركات الصغيرة والمتوسطة من كلا البلدين من خلال منتديات أعمال ومنصات إلكترونية.
خلال زيارة الملك عبد الله الثاني إلى بلغاريا في عام 2025، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الوكالة البلغارية للاستثمار ومجلس الاستثمار الأردني، تهدف إلى تسهيل الاستثمارات الثنائية، وخاصة في المناطق الصناعية والمنتزهات التكنولوجية. وبهذه المناسبة، قال الرئيس رومين راديف إن: «التعاون الاستثماري بين بلدينا هو مفتاح لإنشاء فرص عمل مستدامة ونمو اقتصادي طويل الأمد.
السياحة
ويلعب قطاع السياحة أيضًا دورًا هامًا. أصبحت بلغاريا وجهة جذابة للسياح الأردنيين، خصوصًا في مجالات العلاج بالمياه المعدنية، والسياحة الثقافية، والبرامج التعليمية. وفي الوقت نفسه، يزداد اهتمام السياح البلغاريين بالأردن، لا سيما بمعالم مثل البتراء، والبحر الميت، وصحراء وادي رم. وفي عام 2024، تم الاتفاق بين البلدين على التعاون لإنشاء خط جوي مباشر موسمي بين صوفيا وعمان، يهدف إلى تسهيل التبادل السياحي والتجاري.
التبادل الثقافي والتعليمي
يشغل التفاعل الثقافي والتعليمي بين بلغاريا والأردن مكانة خاصة في العلاقات الثنائية، ويسهم في بناء جسور بين المجتمعات وتعزيز الحوار بين الثقافات. وتحافظ الدولتان على شراكات طويلة الأمد في مجالات التعليم والعلوم والتبادل الثقافي.
ومن أبرز رموز هذا التعاون وجود مئات الأردنيين الذين أكملوا تعليمهم العالي في بلغاريا منذ السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. يشغل كثير منهم اليوم مناصب هامة في الإدارة الأردنية، والطب، والهندسة، والمؤسسات التعليمية، مع الحفاظ على علاقات نشطة مع بلغاريا عبر شبكة جمعيات الخريجين.
تقدم بلغاريا والأردن منحًا دراسية سنوية للطلاب الأردنيين والبلغاريين من خلال برنامج المؤسسات التعليمية في كلا البلدين. وتنظم في عمان بانتظام “أيام الثقافة والتعليم البلغارية”. ويقدم جامعة عمان مقررات اختيارية في الدراسات البلقانية والثقافات شرق أوروبا، بالشراكة مع جامعات بلغارية.
في عام 2021، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين جامعة صوفيا وجامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا، تشمل تبادل الأساتذة ومشاريع بحثية مشتركة. إلى جانب التبادل الأكاديمي، تلعب الدبلوماسية الثقافية دورًا مهمًا حيث تزور فرق موسيقية ورقص بلغارية الأردن بشكل منتظم، وتُعرض معارض أردنية للتصوير الفوتوغرافي والفنون في معارض في صوفيا وبلوفديف.
الخاتمة
العلاقات الدبلوماسية بين بلغاريا والأردن مثال على شراكة متينة ومتعددة الأبعاد، قائمة على الاحترام المتبادل والثقة والقيم المشتركة. يخلق الحوار السياسي، المدعوم بدور نشط للبعثات الدبلوماسية والمساهمات الشخصية للملك عبد الله الثاني، الظروف المناسبة لتطوير التعاون المستدام في العديد من المجالات الرئيسية.
تتطور العلاقات الاقتصادية، رغم وجود إمكانات للنمو، في اتجاه إيجابي بدعم من الاتفاقيات الموقعة ونشاط المجتمعات التجارية في البلدين. وتوفر قطاعات التكنولوجيا والطاقة والسياحة فرصًا جديدة للشراكات ذات المنفعة المتبادلة.
يساهم التعاون الثقافي والتعليمي في تعميق الفهم للتقاليد والقيم المجتمعية، ويعزز الروابط الشخصية ويشكل جسورًا بين الثقافات المختلفة. وتخلق الاستثمارات في التعليم، المدعومة بمبادرات الملك عبد الله الثاني والمؤسسات البلغارية، ظروفًا للصداقة طويلة الأمد والتنمية المشتركة.
وفي الختام فإن العلاقات بين بلغاريا والأردن ليست مثمرة اليوم فحسب، بل تتمتع بإمكانات قوية للنمو والتعمق في المستقبل. هذا الحوار الثنائي نموذج ناجح للدبلوماسية والتعاون الاستراتيجي بين بلدين مرتبطين بمصالح ورؤية مشتركة لمنطقة مستقرة وسلمية.
أصدقاء العالم العربي 2025. دانيل غيورغيف
تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ“أصدقاء العالم العربي“، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من الجمعية، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى الجمعية بوصفه الناشر الأصلي


اترك تعليقاً