بقلم: دانيل غيورغيف
الملخص: تُعدّ الأزمة الإنسانية في اليمن، التي تسببت بها سنوات طويلة من الصراع المسلح، والانهيار الاقتصادي، وانعدام الاستقرار السياسي، واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا في العصر الحديث. وتشمل المشاكل الأساسية الجوع الجماعي، وتدمير البنية التحتية، والحصار المفروض على المساعدات الإنسانية، وانتهاكات القانون الدولي. تتناول هذه المقالة المحاور الرئيسية للأزمة، بما في ذلك تأثير الصراع المسلح على الأمن الغذائي، والالتزامات القانونية المترتبة على الأطراف المعنية، ودور المنظمات الدولية. وتؤكد الاستنتاجات على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لإنهاء الأعمال العسكرية، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.
الكلمات المفتاحية: اليمن، الجوع، الأزمة الإنسانية، الصراع المسلح، الأمن الغذائي، المساعدة الدولية.
إن الغارات الجوية والجوع والدمار والخسائر الناتجة عن الصراع المستمر منذ سنوات في اليمن، تركت الدولة في حالة خراب، والشعب منهكًا. ورغم كل ذلك، يبدو أن العالم لا يلاحظ الوضع المأساوي الذي تعيشه البلاد.
حتى اليوم، يعتمد نحو عشرين مليون شخص في اليمن على المساعدات الدولية من أجل البقاء. ويظل حوالي خمسة ملايين نازحين، يتنقلون من مكان إلى آخر بسبب العنف أو الكوارث.
تُعدّ مشكلات الجوع وموت المدنيين في اليمن من أشد التحديات الإنسانية في العصر الحديث. وهذه الظواهر، التي تفاقمت بسبب الصراع المسلح المستمر منذ سنوات، والانهيار الاقتصادي، وغياب الاستقرار السياسي، تتطلب تحليلًا شاملًا في سياق القانون الدولي والتزامات الدولة.
أدى الصراع المسلح في اليمن، الذي بدأ في عام 2014، إلى تدمير البنية التحتية، ومقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، ونزوح جماعي للسكان المدنيين. ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يعاني أكثر من 18 مليون شخص من سوء التغذية، أي ما يزيد عن ثلثي سكان البلاد. ويرتبط الجوع الجماعي ونقص المواد الغذائية الأساسية بشكل مباشر بتدمير البنية التحتية، والحصار المفروض على المساعدات الإنسانية، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي. وتُعدّ الحالة خطيرة بشكل خاص بين الأطفال – حيث يُظهر تقرير صادر عن منظمة اليونيسف أن حوالي 2.2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، منهم 400 ألف في خطر الموت الوشيك. وتُعدّ هذه المؤشرات دليلًا على أن الأزمة الإنسانية في اليمن هي من بين الأزمات الأكبر حجمًا في العالم المعاصر.
يتفاقم الجوع في اليمن نتيجة الحصار المفروض على الموانئ الرئيسية، مثل ميناء الحُديدة، الذي يُعدّ القناة الأساسية لإيصال الأغذية والأدوية. ويفرض هذا الحصار من قبل تحالف من الدول بقيادة المملكة العربية السعودية، ما يقيّد بشكل كبير وصول المنظمات الإنسانية الدولية إلى السكان. ونتيجة لذلك، يُحرم ملايين الأشخاص من الموارد الأساسية اللازمة للبقاء على قيد الحياة. وتتعارض هذه الإجراءات مع اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، والتي تُلزم أطراف النزاع بتأمين وصول المساعدات الإنسانية لحماية السكان المدنيين. في نيسان/أبريل 2015، فرض التحالف حصارًا على الموانئ اليمنية في البحر الأحمر، مما زاد من تعقيد الوضع في المنطقة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، فُرض حصار شامل على اليمن، وتم وقف جميع إمدادات الغذاء والوقود. وفي 20 تموز/يوليو 2024، شُنّت عدة غارات جوية على منشآت في ميناء الحُديدة، مما أدى إلى تدمير 784,200 لتر من الوقود المُخزّن لحساب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. وبسبب هذه التطورات، أصبح اليمن عاجزًا عن تنفيذ المادتين 55 و56 من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تنص على حق كل إنسان في الغذاء الكافي ومستوى معيشي لائق. ويُعزى هذا العجز إلى عوامل داخلية، إضافة إلى انهيار مؤسسات الدولة واستمرار التدخلات الخارجية التي تُطيل أمد الصراع المسلح.
ويُعدّ أحد أبرز الأمثلة على الجوع في اليمن محافظة تعز، حيث يعاني أكثر من نصف السكان من نقص حاد في المواد الغذائية. ووفقًا لبيانات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، لا يستطيع المزارعون المحليون زراعة أراضيهم بسبب تدمير البنية التحتية للري والقصف المستمر. وإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية – مثل الأرز والدقيق – لأكثر من ثلاثة أضعاف منذ بداية الصراع، مما جعلها غير متاحة لمعظم الأسر، لا سيما في المناطق الريفية حيث تصل نسبة الفقر إلى 80%.
تحظر القواعد الدولية التي تنظّم سلوك أطراف النزاع المسلح استخدام الجوع كسلاح في الحروب، بما في ذلك تدمير المنشآت الضرورية لبقاء السكان المدنيين. وقد صنّف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا الأسلوب كجريمة حرب. ومع الأسف، تم تسجيل العديد من الحالات التي تم فيها تدمير منشآت مرتبطة بإطعام السكان، مثل مرافق الإنتاج الزراعي، ومخازن المواد الغذائية، وأنظمة إمدادات المياه.
تُعدّ أزمة نقص المياه الحاد من المشكلات الخطيرة الأخرى التي تُفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن. إذ يُحرم أكثر من 16 مليون شخص من الوصول إلى مياه شرب آمنة، مما أدى إلى تفشي وباء الكوليرا في عدة مناطق من البلاد، وأصبح أمرًا شائعًا. فمنذ عام 2017 وحتى اليوم، تم تسجيل أكثر من 1.5 مليون حالة إصابة بالكوليرا.
ويُعدّ دور المنظمات الدولية في معالجة الأزمة في اليمن بالغ الأهمية. فقد اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عدة قرارات تدعو إلى إنهاء الصراع وضمان وصول المساعدات الإنسانية. ونظرًا إلى أن مؤسسات الدولة في اليمن شبه معطّلة، فإن تنفيذ حتى أبسط المهام الحكومية بات أمرًا مستحيلًا.
وقد لعبت بعض المبادرات الإقليمية في السنوات الأخيرة دورًا مهمًّا في تنظيم الجهود لإدارة الأزمة. ومن بين هذه المبادرات يمكن الإشارة إلى سلسلة من المفاوضات بين المملكة العربية السعودية وممثلي حركة الحوثيين، بوساطة الأمم المتحدة.
تتطلب الأزمة الإنسانية في اليمن إجراءات عاجلة وحاسمة من المجتمع الدولي. إن وقف الأعمال القتالية، وضمان الوصول غير المقيّد للمساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي، كلها أمور بالغة الأهمية لاستقرار الوضع ومنع المزيد من الخسائر في الأرواح.
في حين يجتمع المجتمع الدولي في مؤتمرات ويقطع وعودا ويحدّد أولويات، يجب ألا يُترك اليمن وحده. فاليمنيون ليسوا مجرد ضحايا، فسحب بل هم ناجون، ومقدّمو رعاية، وبنّاؤون، ومعلمون، وأمهات، وآباء، وأطفال لديهم آمال وطموحات كغيرهم. ولكن الكلمات وحدها لا تكفي لحماية الناس، أو لإطعامهم، أو لتأمين مأوى لهم.
ويُختزل الواقع اليومي في هذا البلد غالبًا ما في عناوين عن الحرب، والفقر، والجوع. لكن اليمن هو أكثر بكثير من مجرد منطقة أزمات؛ إنه مكان يتمتع بمناظر طبيعية خلابة، ومدن تاريخية عريقة، وتقاليد غنية، وكرم ضيافة دافئ يبقى في ذاكرة الزائرين طويلًا بعد المغادرة.
أصدقاء العالم العربي 2025. دانيل غيورغيف
تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ“أصدقاء العالم العربي“، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من الجمعية، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى الجمعية بوصفه الناشر الأصلي


اترك تعليقاً