الأردن – “الوسيط الصامت” في شرق أوسط مضطرب المملكة الهاشمية بين عدم الاستقرار الإقليمي والتحالفات الدولية والتوازن الدبلوماسي

بقلم: دانيل غيورغيف

في منطقة ترتبط عادة بالصراعات الجيوسياسية، والنزاعات العسكرية، والتحولات الجذرية، تتميز الأردن بميزة غير عادية ألا وهي الاستقرار. فعلى الرغم من محدودية مواردها الطاقوية، ومؤشراتها الاقتصادية الأضعف مقارنةً بالدول العربية في مجلس التعاون الخليجي، تلعب المملكة الهاشمية دورًا دبلوماسيًا محوريًا في الشرق الأوسط. من خلال الجمع بين العلاقات الوطيدة مع الغرب، والروابط الجيدة مع العالم العربي، والنهج الحذر تجاه القضية الفلسطينية، نجحت الأردن في أن تتموضع كـ”وسيط صامت” – جسر بين مصالح متعارضة وصوت للاعتدال في بيئة إقليمية مشحونة.

دور الملك عبد الله الثاني في ترسيخ صورة البلاد كصوت معتدل، حواري وبنّاء في السياسة العربية، أصبح أكثر وضوحًا على المستويين الإقليمي والدولي.

تهدف هذه المقالة إلى إظهار كيف تمارس الأردن هذا التأثير، ما هي أولوياتها الرئيسية في السياسة الخارجية، وما هي التحديات التي تواجهها للحفاظ على التوازن بين الاستقرار الداخلي والنشاط الخارجي.

تقع الأردن في قلب الشرق الأوسط، وتحتل موقعًا استراتيجيًا رئيسيًا بين أكثر النقاط اضطرابًا في المنطقة وهي سوريا من الشمال، والعراق من الشرق، والسعودية من الجنوب، وإسرائيل والأراضي الفلسطينية من الغرب. ورغم ندرة الموارد الطبيعية، فقد بنت المملكة صورة لدولة مستقرة ومتوقعة، مما يجعلها شريكًا ثمينًا للمجتمع الدولي.

ومن أكثر الأدوار حساسية التي تقوم بها الأردن، هو دورها في الصراع العربي-الإسرائيلي. فقد وقّعت البلاد معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1994، بينما بقيت في الوقت ذاته مدافعًا قويًا عن القضية الفلسطينية. وتنبع مكانة الأردن الفريدة أيضًا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ما يمنحها سلطة أخلاقية وسياسية إضافية في أعين العديد من المجتمعات العربية والإسلامية.

علاوة على ذلك، تحتضن الأردن ملايين اللاجئين الفلسطينيين وذريّتهم، وتعمل على تحقيق توازن دقيق بين التوترات الاجتماعية الداخلية والضغوط الإقليمية المتعلقة بهذه القضية.

تلعب المملكة أيضًا دورًا مهمًا في الجهود الدولية المتعلقة بالأمن. فهي تُعد من أكثر الحلفاء الموثوقين للغرب في الشرق الأوسط، وتشارك بانتظام في بعثات حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتحالفات المناهضة للإرهاب، بما في ذلك ضد ما يُعرف بـتنظيم الدولة الإسلامية. وليس من قبيل المصادفة أن تعزز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شراكتهما الاستراتيجية مع عمّان بسبب سياسة الملك عبد الله الثاني المعتدلة وقدرة البلاد على العمل كمنطقة عازلة بين مناطق الصراع.

لم تنجح الأردن في البقاء سياسيًا في بعض العقود الأكثر اضطرابًا في تاريخ المنطقة فحسب، بل تمكنت أيضًا من ترسيخ مكانتها كعامل استقرار دون الانخراط في طموحات إقليمية عدوانية. وهذا يجعل منها عنصرًا لا غنى عنه في المعضلة الدبلوماسية المعقدة في الشرق الأوسط.

منذ توليه الحكم عام 1999، عمل الملك عبد الله الثاني على تعزيز صورة الأردن كمشارك معتدل وبنّاء في السياسة الإقليمية. وعلى عكس بعض الجيران الذين ينتهجون سياسات خارجية أكثر عدوانية، يفضل الملك الحوار، والوساطة، وبناء الثقة، سواء كان مع الدول العربية أو مع الشركاء الغربيين.

تظل الأردن مدافعًا قويًا عن حل الدولتين في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتواصل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، بينما تحافظ في الوقت نفسه على معاهدة السلام مع إسرائيل الموقعة عام 1994. هذا يضع المملكة في موقع حساس واستراتيجي – “بوابة إلى إسرائيل” بالنسبة لجامعة الدول العربية، وفي الوقت ذاته، حامية للمقدسات الإسلامية في القدس من خلال الوصاية الهاشمية.

كما تشارك الأردن بفاعلية في الاجتماعات الدولية، مثل القمم العربية والإسلامية، وكذلك في الحوارات مع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة، حيث يؤكد الملك عبد الله الثاني مرارًا على أهمية الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب وتعزيز الحوار بين الأديان.

ومن الأمثلة على هذا النهج، خطابه أمام البرلمان الأوروبي عام 2020، حيث شدد على أن “القدس يجب أن تبقى مدينة للسلام والإيمان، وليس ساحةً للصراعات”، وهو موقف منحه احترامًا دوليًا، ولكنه أثار أيضًا بعض التوترات الداخلية، لا سيما خلال التصعيدات في فلسطين وغزة.

غالبًا ما تتولى الأردن دور المضيف للمفاوضات الإقليمية أو الاجتماعات غير الرسمية بين أطراف متنازعة، دون البحث عن دبلوماسية صاخبة. وهذا ما يجعلها وسيطًا موثوقًا به، حيث للكلمات قيمة أكبر من العناوين الإعلامية.

لطالما كانت الأردن شريكًا استراتيجيًا للغرب في منطقة تتسم بالاضطرابات الجيوسياسية. وعلى الرغم من محدودية مواردها، فإن المملكة تحافظ على سياسة خارجية مستقرة ومتسقة، تقوم على التعاون مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

تُعدّ واشنطن الشريك الخارجي الأهم للأردن ليس فقط في مجال الأمن فحسب بل أيضًا من حيث الدعم الاقتصادي. تتلقى المملكة مساعدات سنوية من الولايات المتحدة تزيد على مليار دولار، يُخصص جزء منها لتحديث الجيش، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتطوير القدرات في مكافحة الإرهاب. وتقوم هذه الشراكة الاستراتيجية على حاجة متبادلة: تقدم الأردن الاستقرار والاعتدال في منطقة مضطربة، بينما تعتبرها واشنطن حليفًا مهمًا في مواجهة التطرف والهجرة غير الشرعية.

إلى جانب التعاون مع الولايات المتحدة، تشارك الأردن بشكل فعّال في أنشطة حلف الناتو ضمن برنامج “الشراكة من أجل السلام”، بما في ذلك التدريبات المشتركة والمشاورات، مع التركيز على أمن الحدود وتعزيز مرونة المؤسسات.

إلا أن هذا الاعتماد على التحالفات الخارجية يفرض توازنًا دبلوماسيًا دقيقًا. يتعين على الأردن باستمرار أن يوفّق بين أولويات الأمن واحتياجاته الاقتصادية، خاصة في ظل النزاعات الإقليمية التي تضع المملكة في مواقف حساسة. ووفقًا لتحليل صادر عن “معهد واشنطن”، فإن الأردن يناور بمهارة بين حاجته إلى الاستقرار والضغوط لاتخاذ مواقف حاسمة بشأن قضايا حساسة مثل الحرب في غزة، والعلاقات مع إسرائيل، والأزمة في سوريا.

تُعدّ قدرة الأردن على الحفاظ على الاستقرار من خلال الشراكات، دون التفريط في استقلالية قراره، من بين أهم العوامل التي تجعله من بين القلة القليلة من الوسطاء الموثوقين في الشرق الأوسط.

ورغم الأهمية الجيوسياسية والسياسة الخارجية المعتدلة، تواجه الأردن تحديات داخلية خطيرة تحدّ من قدرتها على لعب دور أكثر فاعلية في السياسة الإقليمية.

في المقام الأول، تبقى الصعوبات الاقتصادية مشكلة مزمنة. تعاني البلاد من معدلات بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، حيث تجاوزت 22% في بعض المناطق بحسب بيانات عام 2024. علاوة على ذلك، تعتمد الأردن بشكل كبير على المساعدات الخارجية سواء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أو من دول الخليج مما يحدّ من استقلالها الاقتصادي ويجعلها عرضة للضغوط الخارجية.

يتغذى التوتر الاجتماعي أيضًا من عجز الدولة عن تلبية التوقعات المتعلقة بمستوى معيشي أفضل، والشفافية، والمشاركة السياسية. يعبر العديد من الأردنيين عن خيبة أملهم من الفساد ونقص الإصلاحات الحقيقية، رغم التكرار المتواصل للوعود بالتغيير.

تُوضع الأردن أيضًا في موقف حساس فيما يتعلق بدورها في الصراعات الإقليمية. فدعمها للغرب وتعاونها مع الولايات المتحدة وإسرائيل يثير أحيانًا انتقادات في العالم العربي وبين بعض الجماعات الداخلية. إن سياسة التوازن بين الولاء الاستراتيجي والتضامن الإقليمي ليست دائمًا مستدامة، لا سيما في سياق صراعات مثل تلك في غزة أو التوترات مع إيران.

يُعقد الوضع أكثر بوجود تهديدات التطرف والإرهاب. على الرغم من النجاحات في مكافحة الإرهاب، تبقى الأردن عرضة للمخاطر، خاصة بسبب قربها من سوريا والعراق. يجب على الإدارة أن تجد باستمرار توازنًا دقيقًا بين ضمان الأمن وتجنب الإجراءات القمعية المفرطة التي قد تغذي السخط والمشاعر المتطرفة.

في هذا السياق، يلعب الملك عبد الله الثاني دورًا حاسمًا – فهو لا يدير فقط الموازين السياسية، بل يسعى أيضًا للحفاظ على صورة الأردن كشريك مسؤول ومستقر، رغم الأزمات الداخلية.

في منطقة تهيمن عليها عادة الطموحات الصاخبة، والتدخلات العسكرية، والصراعات السياسية، ترسخ الأردن نفسها كصوت للاعتدال والاستقرار. على الرغم من افتقارها للموارد وحجم جيرانها، فإن المملكة تنجح في احتلال موقع استراتيجي في الدبلوماسية الإقليمية من خلال نهج معتدل، واستمرارية، وقدرة على الوساطة.

يُعتبر دور الأردن كـ “وسيط هادئ” ذا قيمة خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار في سوريا والعراق والأراضي الفلسطينية، وكذلك في تصاعد التوترات بين إسرائيل والعالم العربي. تسمح لها موقعها كحليف للغرب، ولكن بحجة شرعية عربية، ببناء جسور حيث تفضل دول أخرى رفع الجدران.

ومع ذلك، تبقى التحديات التي تواجه الأردن كبيرة سواء أكانت داخلية أو خارجية. وتشكل الصعوبات الاقتصادية، والاستياء الاجتماعي، والتوترات المتعلقة بمشاركتها في الصراعات الإقليمية علامات استفهام حول مدى قدرة المملكة على الحفاظ على دورها الفريد في شرق أوسط متغير.

السؤال الذي يواجه عمان والملك عبد الله الثاني ليس ما إذا كانت الأردن تريد أن تكون لاعبًا دبلوماسيًا، بل هل ستتمكن من الاستمرار في ذلك. في عالم تطغى فيه غالبًا ما القوة على العقل، هل يمكن لصمت الدبلوماسية أن يحافظ على قيمته؟

 

أصدقاء العالم العربي 2025. دانيل غيورغيف

تنويهجميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـأصدقاء العالم العربي، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من الجمعية، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى الجمعية بوصفه الناشر الأصلي

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Do not copy!